09 April 2008 10:18 pm
د. عبد الله الفقيه
«حياة» بائع الصحف!

Print Viewطباعة الخبر  ( قراء : 230 )

«حياة» بائع الصحف!,,د. عبد الله الفقيه



تركض في حياتك اليومية كالعادة ولا تلاحظ غياب «علي الشرعبي» بائع الصحف في كشك «جولة الحصبة.» تقول لنفسك ربما أصابته نزلة برد أقعدته الفراش، فأمثاله، بالتأكيد، لا يأخذون إجازات. لكن الغياب يطول فتظن أنه ربما انتقل إلى الكشك المجاور للجامعة الجديدة كما كان يفعل بين الحين والآخر. لكنك تلحظ غيابه هناك أيضا..

تحاول التفاؤل فتقول لنفسك ربما سافر بصحبة الوفد اليمني للمشاركة في الأسبوع الثقافي اليمني في السعودية. ثم تصدمك الحقيقة المرة وهي أن مقاعد الطائرات محجوزة دائما لنفر قليل من المحظوظين يمثلون اليمن وباليمن في كل مناسبة وغير مناسبة.. يمتصون دماء الفقراء ويحولونها إلى قصور في صنعاء وشقق في القاهرة وأرصدة بالعملة الصعبة وسيارات فارهة واستثمارات تدر عليهم الذهب والفضة. ولا مكان لـ»العم علي» أو غيره على مقاعد الطائرات المغادرة أو بين أصحاب الحسابات أو بين ملاك العقارات..

وتسأل بائع الصحف الجديد الذي يتعامل معك بجلافة ولا مبالاة عن «العم علي» فيرد عليك ببرود ودون أن يتوقف لينظر في عينيك «لقد مات.» وتحسب أنه يمزح أو أن خلافاً ربما نشأ بين رجل الخمسينيات وبين الشاب العشريني-الذي اعتاد بيع الصحف في الجولة القريبة ثم صار يبيع الصحف في البسطة اللاصقة بالكشك خلفا للعم علي- جعل الأخير يقول ذلك من باب التمني. تزيدك طريقته في الكلام يقينا أنه لا يمكن ان يكون جادا. فللموت، حتى ولو كان موت الأعداء، هيبته وقداسته. وتزداد مخاوفك وأنت تتذكر الحملة التي قادتها أمانة العاصمة ضد باعة الأرصفة. وتقول لنفسك ربما تم إزالته من الرصيف الذي اتخذه وطنا عوضاً عن الوطن المسروق والمنهوب والمصلوب.
وسرعان ما تكتشف أن «العم علي» بائع الصحف في كشك جولة الحصبة خلف الساعة الخرقاء والإشارة مطموسة العيون في معظم الأوقات قد قضى في حادث سيارة قبل بضعة أسابيع في مكان غير بعيد عن الكشك والصحف التي قضى سنوات حياته بين أحبارها وأوراقها الرخيصة. وتبكي بحرقة، فقد رحل الرجل فجأة وبصمت ودون أن يلاحظ ذلك أحد وكأنه يحتج على الظلم الذي يرزح تحته. وتقول لنفسك ساخرا: لم يكن العم علي حيا حتى يموت ولم يكن له في الدنيا ما يرحل عنه حتى يقرر الرحيل. لقد كان يحاول بمشقة بالغة أن «يحيى» في وطن يعتبر حكامه الحياة الكريمة لأبنائه في أدنى مستوياتها قفزا على الواقع وإضراراً بالوحدة الوطنية.. لقد عاش «العم علي» في الهامش ومات كذلك أيضا.. وحتى الصحف التي لطالما تحمس لها لم تلاحظ غيابه المفاجئ. وكان أقصى ما حظي به من تقدير كما نقل عنه الصحفي محمد العلائي في مقابلة أجراها معه ذات مرة ونشرها في صحيفة النداء هي صورة على موقع الجزيرة نت إلى جوار خبر عن «الصحافة اليمنية»..

كان العم علي يصدمك بكبريائه وبقدرته على مواجهة واقعه البائس بصلابة لا تلين. فهو يتحدث عن مشاكل الناس لا عن مشاكله الخاصة وعن أحلامه العامة وليس الخاصة. فكما نقل عنه الصحفي العلائي فإنه تمنى على وزيري الإعلام والثقافة تطوير الأكشاك وتمنى على أصحاب الصحف جعلها أكثر جاذبية ليقبل عليها القراء، وكان في شخصه وكفاحه وطريقة تعامله مع الناس يذكرك بأجيال متعاقبة من اليمنيين واجهوا أعتى الأنظمة بالقبض على مجموعة من القيم الأصيلة. وكان «العم علي» يقضي قيلولته في ظل جدار «حديقة» يذكره اسمها باستمرار الثورة المغدور بها. وكان يقضي قيلولته في الغالب متدثرا بسحابة كثيفة من الأتربة والنفايات البلاستيكية التي تتقاذفها الرياح. وكان حين يراك تقترب يهب من على الطعام أو من قيلولته تلك بسرعة ويحتفي بك كما لو كنت ضيفا. ولم يكن من أولئك الحمير الحاملين للأسفار، وما أكثرهم، حتى وإن تظاهر بذلك، فقد كان يقرأ الصحف من عناوينها وربما لمرة واحدة، ويعرف الطيب من الخبيث والخبيث من الطيب بمجرد النظر..

عاش «العم علي» فقيرا، ومات فقيرا. ولم يترك خلفه سوى شظف العيش، وشمس الحصبة، والساعة المصابة بالشلل، والإشارة الضوئية العمياء، والحديقة الجرداء، والشمس التي لم يكن يجد ما يقيه من حرارتها سوى صحيفة قديمة اعتاد أن يلفها على شكل قبعة يغطي بها رأسه. وحسب أسرته الكبيرة المكونة كما يقول العلائي من سبعة أفراد، والتي ليس من الواضح كيف ستواجه الحياة بعد رحيله، أن «ربها» كان يحمل الكثير من القيم وذلك على عكس العديد من الذين يسودون بياض الصحف بكلمات لا تساوي في كثير من الأحيان ثمن الحبر الذي كتبت به. رحم الله العم «علي الشرعبي» وأسكنه فسيح جناته وإنا لله وإنا إليه راجعون.



* د. عبد الله الفقيه
أستاذ العلوم السياسية بجامعة صنعاء
dralfaqih@yahoo.com

 
 

التعليقات على الخبر : لا يوجد حالياً تعليقات على الموضوع.
أضغط هنا لأضافة تعليقك.


إستضافة وتصميم: حلول تقنية متكاملة