26 April 2008 01:15 pm
ياسر العرامي
السلطـة تحمي فسادها بمزيد من القوانين

Print Viewطباعة الخبر  ( قراء : 277 )

السلطـة تحمي فسادها بمزيد من القوانين,,ياسر العرامي



ليس أسوأ من أن تَسن الأنظمة والحكومات قوانينها كردود أفعال آنية وغير مدروسة ، ولكن الأسوأ من ذلك هو أن تكرس تلك القوانين الاستبداد والقمع وسلطة الفرد الواحد .

وإذ لا نشك بأن الحكومات التي تحترم شعوبها قد تلجأ إلى سن مثل هكذا قوانين آنية إذا ما تأكد لها بأن ثمة ما يهدد أمن مواطنيها أو يصادر كرامتهم وحقهم في الحياة ، فإن ما لا يستطيع الإنسان أن يستسيغه أن تلجأ حكومتنا لمواجهة مطالب مواطنيها بمزيد من القوانين التي تهدر هذه الحقوق وتعتقد أنها الحل للخروج من الأزمات غير مكترثـة بالبحث عن مكامن خللها التي أوجدت هذا الجو المتأزم .

وفي بلد كاليمن تشهد مختلف المحافظات تصاعد احتقان شعبي عارم احتجاجاً على تدهور الأوضاع المعيشية جراء السياسات الفاشلة التي تنتهجها السلطة بدت الأخيرة عاجزة تماماً عن تقديم حلول جذريـة للواقع الذي فرضته ما عدا هروبها إلى سن مزيداً من القوانين والتشريعات التي من خلالها تحاول حماية نفسها وسحق بقية الشعب ضمن سياسة قمعية همجية لعسكرة البلاد .

وليس غريباً أن تسعى السلطة إلى إجراء تعديلات قانونيـة وسن تشريعات خطيرة تجرم النضال السلمي والمسيرات الاحتجاجيـة فضلاً عن تكميم الأفواه ومصادرة حريات الرأي ، فهذا هو دأب الحكومات الفاشلة والتي تعتمد على سياسات متخبطة وفاشلة .

وعلى ما يبدو أن مشروع قانون " حماية الوحدة الوطنية والجبهة الداخلية والسلام الاجتماعي" الذي أقرته الأغلبية الكاسحة في مجلس النواب نهاية يوليو من العام الماضي لم يكن كافياً بنظر النظام ، والذي وضع الأحزاب والفعاليات السياسية والوطنية والصحافيين وأصحاب الرأي المخالف تحت طائلة المساءلة والتجريم والعقاب واعتبرته المعارضة حينها بمثابة " قانون الطوارئ " غير معلن .

وما نشرته " الصحوة " الأسبوع الماضي من إقرار الحكومة لإجراء تعديلات خطيرة على قانون الجرائم والعقوبات خير دليل على أن ما تهدف إليه السلطة من خلال هذه التعديلات هو كبت الحريات وقمع الاحتجاجات السلمية تحت مسمى " القانون " في ظل تزايد الاحتقان الشعبي نتيجة الأوضاع السيئة التي تعيشها البلاد والغلاء العارم الذي أنهك كاهله.

وجاء إقرار الحكومة بحجة ما قالت أن هناك بعض الجرائم والأفعال لم يتم النص على تجريمها وفرض العقوبات المناسبة والرادعة عليها وخاصة الجرائم التي تمس الثوابت الوطنية أو الخروج عليها والتحريض على أعمال العنف والشغب والتخريب.

ويعتبر مراقبون أن هذا التعديل جاء بهدف إيجاد مسوغات قانونية تتيح منع المظاهر الاحتجاجية السلمية وقمعها بكل الوسائل الممكنة تحت مبرر تطبيق القانون ، فضلا عن وضعه نشاط الأحزاب السياسية والإعلاميين تحت طائلة التجريم والتخوين وفرضه عقوبات على السياسيين والصحافيين بذريعة " حماية الثوابت الوطنية " ، ناهيك عن اختلاقه تهماً مطاطة تتيح للسلطة التعامل المسلح مع أية تحركات شعبية تستهدف الفساد وأوكاره ورموزه .

ويأتي ذلك استناداً إلى نص التعديل على عقوبات بالسجن من سنة إلى 10 سنوات الذي أضيف إلى النص الأصلي " كل من حرض على ارتكاب جرائم القتل أو النهب أو الإحراق" النص المقترح " أو الشغب أو التخريب " حيث يمكن أن يعتبر النظام أي نشاط من أنشطة الاحتجاجات السلمية أعمال شغب وتخريب فضلاً عن إقرانها بجرائم القتل .

كما نص مشروع التعديل على عقوبات بالسجن مدة لا تزيد عن 10 سنوات بحق الصحفيين والسياسيين في كل من أذاع أو نشر أو أعد خبراً أو بياناً أو إشاعة كاذبة أو مغرضة أو دعاية مثيرة بقصد تكدير الأمن العام أو المساس بالمصالح القومية ، أو إشعال روح الهزيمة أو التحريض على ما يمس الثوابت الوطنية أو إلقاء الرعب بين الناس أو إلحاق ضرر بالمصلحة العامة .

وأكثر من ذلك فقد وضع مشروع تعديل قانون الجرائم والعقوبات قادة الأحزاب السياسية تحت طائلة العقاب في أية قرارات أو خطابات يمكن تفسيرها على أنها محرضة على أعمال شغب وخروجاً عن الثوابت الوطنية ، كما يعطي للجنة شئون الأحزاب حل الأحزاب وإيقاف نشاطها وحرمانها من المشاركة في دورات انتخابية .

ويرى مراقبون وقانونيون بأن هذه التعديلات تأتي ضمن إجراءات السلطة القمعية ضد الحراك الشعبي السلمي كما تعد تراجعاً خطيراً وكارثياً عن الحقوق والحريات العامة ولا تتفق مع التجربة الديمقراطية القائمة على التعددية والتداول السلمي للسلطة بالإضافة إلى اعتبارها مجرد قوانين لفرض عقوبات سياسية جديدة ، فيما يعتبره البعض إعلاناً من قبل السلطات لإلغاء الحريات العامة وتكميم الأفواه بما يمهد لحالة الطوارئ. كما يستهدف تجميد النشاط الجماهيري للأحزاب وفرض قيود على الصحافيين تمنعهم من تناول ما يعتمل في الساحة ، فضلاً عن أن هذه القوانين لا تعالج أية مشكلات تمس الثوابت الوطنية التي ترجع السلطة فشلها إلى حائطها بقدر ما يوفر وسيلة لقمع الاصطفاف الوطني للمعارضة والرأي المخالف سعيا للهروب من الاستحقاقات التي فجرت غضبا شعبيا في المحافظات .

ووفقاً لخبراء القانون أيضاً فإن مشروع التعديلات تعتبر حمالة أوجـه وتضمن عبارات مطاطة على خلاف ما يفترض أن تكون عليه النصوص القانونية صريحة وواضحة لا تحتمل تفسرين أو تأويلين ، حيث تدخل في محاسبة النيات وتعطي السلطات إمكان تفسير المواقف وإلصاق التهم وتجريم أي شخص أو حزب، كما تضمن توجهات واضحة لحظر أية احتجاجات شعبية إزاء السياسات الحكومية وتقييد الأحزاب في قيادة أي نشاط جماهيري معارض للنظام السياسي.

كما أن الخطورة تكمن في اعتبار الاحتجاجات الشعبية تحريضاً على الشغب وأعمال العنف والتخريب وتمس بالثوابت الوطنية وتعريض منظميها إلى عقوبات بالسجن .

ويأتي مشروع التعديل هذا في الوقت الذي قامت الأجهزة الأمنية بحملة اعتقالات بطرق مخالفة للقانون، وتناغماً مع الطريقة التي لجأت السلطة إليها بغرض عسكرة البلاد على حساب الدستور والقوانين كان قد أقر أيضاً المجلس الوطني للدفاع والأمن نهاية الأسبوع قبل الماضي بمنع المسيرات والاحتجاجات والاعتصامات خلافاً للدستور والقانون وهو ما رفضته أحزاب اللقاء المشترك واعتبروه إعلان طوارئ وإلغاء للمؤسسات الدستورية في البلاد .

وعلى صعيد الحريات الصحفية فإن مشروع مثل هذه التعديلات فضلاً عن قوانين أخرى تفرضها الدولــة وجميعها تحاول إحكام القبضة على إسكات الإعلاميين وإلصاق التهم بهم وهو الأمر الذي يجعلنا أمام سلطة باتت ترى في حرية الفكر والرأي والتعبير خصمها الحقيقي ولذلك تحاول خلق المزيد من القوانين ، حيث سبق أن صدر تحذير لوزير الإعلام حسن اللوزي للصحافيين بفرض عقوبات ضدهم ، وأكد في تصريح صحفي أن أية مخالفة للقانون فيما ينشر في الصحف المطبوعة أو عكس ما تنشره المواقع الالكترونية من مخالفات يجعلها تحت طائلة قانون العقوبات وأن الإدارة المختصة في وزارة الإعلام وبالتعاون مع نيابة الصحافة سوف لن تتردد في تقديم كافة الصحف والمجلات التي تقترف جرائم النشر المذكورة للمحاكم المختصة لتأخذ العدالة مجراها في شأن كل من تثبت إدانته وتورطه في ممارسة التخريب والفتنة وإقلاق السكينة العامة والأمن والاستقرار والمساس بالوحدة الوطنية والإضرار بها ، واللافت للنظر هو تكرار السلطة الحديث عن المساس بالوحدة واتخاذها شماعة لمعاقبة كل مخالف رأي فيما تغفل أو تتغافل أنها بممارساتها الخاطئة هي الخطر على الوحدة والسلم الاجتماعي فضلاً عن أنه لا يمكن أن تحمى الوحدة بقانون !

وقال وزير الإعلام في ذات التصريح مهدداً بإخضاع الصحف - التي تقترف – حسب توصيفه - جرائم النشر والسب والقذف والتحريض على الفتنة والعنف والتخريب وإثارة النعرات والكراهية والبغضاء المهددة للوحدة الوطنية والسلم الاجتماعي -لسلطة القضاء والمسائلة القانونية بموجب قانون العقوبات قبل قانون الصحافة ، فيما يجد المتابع للصحافة أن تلك الصحف التي تمارس هذا النوع من " الجرائم " هي الصحف التابعة للحزب الحاكم أو الممولـة من السلطة ولكن على ما يبدو أن تلك الصحف لا تشملها مثل هذه القوانين .

وفي هذا الاتجاه قالت منظمة المادة 19 – سميت على أسم المادة 19 للإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومقرها لندن – إن الإجراءات الصادرة مؤخراً من قبل الحكومة اليمنية ضد الحريات وحقوق الإنسان تلقي المزيد من الريبة في استمرار التزامها بجدول أعمال الإصلاح ‏لحماية التعدد الإعلامي وحرية التعبير .

ودعا المدير التنفيذي للمنظمة المادة 19 ( أجنس كالامارد ) الحكومة اليمنية العودة إلى التزاماتها والالتزام بجميع المعايير التي أخذتها على عاتقها وفقاً لجدول ‏أعمالها الإصلاحية ، موضحاً " أن اليمن صادقت على الميثاق الدولي للحقوق المدنية و السياسية وبذلك فإنها ملزمة قانوناً باحترام حقوق مواطنيها لممارسة ‏حرية التعبير كما هو منصوص عليه في المادة (19) من الميثاق الدولي للحقوق المدنية و السياسية .


** ياسر العرامي
مدير تحرير موقع صحيفة الحدث

 
 

التعليقات على الخبر : لا يوجد حالياً تعليقات على الموضوع.
أضغط هنا لأضافة تعليقك.


إستضافة وتصميم: حلول تقنية متكاملة